ابن المقفع
298
آثار ابن المقفع
ان آثرت ان تفاخر أحدا ممن تستأنس اليه في لهو الحديث فاجعل غاية ذلك الجد ولا تعدون ان تتكلم فيه بما كان هزلا ، فإذا بلغ الجد أو قاربه فدعه ولا تخلطنّ بالجد هزلا ولا بالهزل جدا فإنك ان خلطت بالهزل جدا هجنته وان خلطت بالهزل جدا كدرته ، غير اني قد علمت موطنا واحدا ان قدرت ان تستقبل فيه الجد والهزل أصبت الرأي وظهرت على الاقران وذلك ان يتوردك متورد بالسفه والغضب فتجيبه إجابة الهازل المداعب برحب من الذرع وطلاقة من الوجه وثبات من المنطق . ان رأيت صاحبك مع عدوك فلا يغضبنك ذلك فإنما هو أحد رجلين : ان كان رجلا من اخوان الثقة فانفع مواطنه لك أقربها من عدوك لشر يكفه عنك وعورة يسترها منك وغائبة يطلع عليها لك ، فاما صديقك فما اغناك ان يحضره ذو ثقتك ، وان كان رجلا من غير خاصة اخوانك فبأي حق تقطعه عن الناس وتكلفه ان لا يصاحب ولا يجالس الا من تهوى . تحفظ في مجلسك وكلامك من التطاول على الأصحاب وطب نفسا عن كثير مما يعرض لك فيه صواب القول والرأي مداراة لئلا يظن أصحابك ان ما بك التطاول عليهم . إذا اقبل إليك مقبل بوده فسرك الا يدبر عنك فلا تنعم الاقبال عليه والتفتح له ، فان الانسان طبع على ضرائب لؤم فمن شأنه ان يرحل عمن لصق به ويلصق بمن رحل عنه . لا تكثرن ادعاء العلم في كل ما يعرض فإنك من ذلك بين فضيحتين : اما ان ينازعوك فيما ادعيت فيهجم منك على الجهالة والصلف « 1 » واما ألا ينازعوك ويخلوا في يديك ما ادعيت فينكشف منك التصنع والمعجزة .
--> ( 1 ) الصلف : مجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرا .